ابن عجيبة

195

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

الحقّ ، وأثقب الدرّة ثقبا مستويا ، واسلك في الخرزة خيطا . ثم قالت للمنذر : إن نظر إليك نظر غضب فهو ملك ، فلا يهولنك منظره ، وإن رأيته لينا لطيفا فهو نبىّ « 1 » . فأقبل الهدهد ، فأخبر سليمان الخبر كله ، فأمر سليمان الجن فضربوا لبنات الذهب والفضة ، وفرشوها في الميدان بين يديه ، طوله سبعة فراسخ ، وجعلوا حول الميدان حائطا ، شرفه من الذهب والفضة ، وأمر بأحسن الدواب في البر والبحر ، فربطوها عن يمين الميدان ويساره ، على اللبنات . وأمر بأولاد الجن - وهم خلق كثير - فأقيموا عن اليمين واليسار ، ثم قعد على سريره ، والكراسي من جانبيه ، واصطفت الشياطين صفوفا فراسخ ، والإنس صفوفا فراسخ ، والوحش والسباع والطيور والهوام كذلك ، فلما دنا القوم ، ونظروا ، بهتوا ، ورأوا الدواب تروث على اللبن ، فتقاصرت إليهم أنفسهم ، ورموا بما معهم من الهدايا . ولما وقفوا بين يديه ، نظر إليهم سليمان بوجه طلق ، فأعطوه كتاب الملكة ، فنظر فيه ، فقال : أين الحق ؟ فأتى به ، فحرّكه ، وأخبره جبريل عليه السّلام بما فيه . فقال لهم : إن فيه كذا وكذا . ثم أمر بالأرضة فأخذت شعرة ، ونفذت في الدرّة ، فجعل رزقها في الشجر . وأخذت دودة بيضاء الخيط بفيها ، ونفذت في ثقب الجزعة ، فجعل رزقها في الفواكه . ودعا بالماء ، وأمرهم أن يغسلوا وجوههم وأيديهم ، فكانت الجارية تأخذ الماء بيدها فتجعله في الأخرى ، ثم تضرب به وجهها ، والغلام كما يأخذ الماء يضرب به وجهه فميزهم بذلك . ثم ردّ الهدية . ذلك قوله تعالى : فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ أي : جاء رسولها المنذر بن عمرو إليه قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ ، توبيخ وإنكار لإمدادهم إياه بالمال ، مع علو شأنه وسعة سلطانه . والتنكير للتحقير ، والخطاب للرسول ومن معه ، أو للرسول والمرسل تغليب للحاضر . فَما آتانِيَ اللَّهُ من النبوة والملك الذي لا غاية وراءه خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ أي : من المال الذي من جملته ما جئتم به ، فلا حاجة لي إلى هديتكم ، ولا وقع لها عندي ، ولعله عليه السّلام إنما قال لهم هذه المقالة . . إلخ بعد ما جرى بينه وبينهم ما حكى من قصة الحقّ وغيرها ، لا أنه عليه السّلام خاطبهم بها أول ما جاءوه . ثم قال لهم : بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ . الهدية : اسم للمهدى ، كما أن العطية اسم للمعطى ، فتضاف إلى المهدى والمهدى له . والمعنى : أن ما عندي خير مما عندكم ، وذلك أن اللّه تعالى آتاني الدين والمعرفة به ، التي هي الغنى الأكبر ، والحظ الأوفر ، وأتاني من الدنيا ما لا يستزاد عليه ، فكيف يرضى مثلي بأن يمد بمال من قبلكم ؟ بل أنتم قوم لا تعلمون إلا ظاهرا من الحياة الدنيا ، فلذلك تفرحون بما تزدادون ويهدى إليكم ؛ لأنّ ذلك مبلغ همتكم ، وحالي خلاف ذلكم ، فلا أرضى منكم بشئ ، ولا أفرح إلا بالإيمان منكم ، وترك ما أنتم عليه من المجوسية . والإضراب راجع إلى معنى ما تقدم ، كأنه قيل : أنا لا أفرح بما تمدوننى به بل أنتم .

--> ( 1 ) قال العلامة ابن كثير ، بعد ذكره لهذه الروايات : واللّه أعلم أكان ذلك أم لا ، وأكثره مأخوذ من الإسرائيليات . انظر تفسير ابن كثير ( 3 / 363 ) .